ابن عجيبة

250

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : عبّر في جانب الحسنة بإذا ، المفيدة للتحقيق ، وعرّف الحسنة ؛ لكثرة وقوعها ، وعبّر في جانب السيئة بأن المفيدة للشك ، ونكّر السيئة لندورها . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي : بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بكثرة العاهات ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي : لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم ، ويتعظوا ، وترق قلوبهم بالشدائد ، فيفزعوا إلى اللّه ، ويرغبوا فيما عنده . فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ؛ من الخصب والسعة والرخاء ، قالُوا لَنا هذِهِ أي : قالوا : هذه لنا ولسعودنا ، ونحن مستحقون له . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ : جدب وبلاء يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي : يتشاءموا بهم ، ويقولون : ما أصابتنا إلا بشؤمهم ، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة ؛ فإن الشدائد ترقق القلوب ، وتذلل العرائك أي : الطبائع ، وتزيل التماسك ، سيما بعد مشاهدة الآيات ، وهي لم تؤثر فيهم ، بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغى . قال تعالى : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي : سبب طائرهم وشرهم عنده ، وهو حكمه ومشيئه ، أو سبب شؤمهم عند اللّه ، وهو أعمالهم المكتوبة عنده ، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم . قال ابن جزي : أي : حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند اللّه ، وهو مأخوذ من زجر الطير ، ثم سمى به ما يصيب الإنسان ، ومقصود الآية : الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم . ه . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن ما يصيبهم من اللّه تعالى بلا واسطة ، أو من شؤم أعمالهم . الإشارة : هذه الخصلة جارية أيضا في هذه الأمة ، أعني التطاير ، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا : بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع ، ولقد سمعت ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء ، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدا ، فأرسل اللّه عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانا ، فقالوا : ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت ، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل اللّه . واللّه تعالي أعلم . ثم ذكر عتو آل فرعون ، وعقوبته لهم ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 132 إلى 137 ] وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 135 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 136 ) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 )